القرطبي
394
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الأولى - قوله تعالى : ( وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ) قرأ أبو عمرو " وعدنا " بغير ألف ، واختاره أبو عبيد ورجحه وأنكر " واعدنا " قال : لان المواعدة إنما تكون من البشر فأما الله عز وجل فإنما هو المنفرد بالوعد والوعيد . على هذا وجدنا القرآن ، كقوله عز وجل : " وعدكم وعد الحق " ( 1 ) ( إبراهيم : 22 ) وقوله : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات " ( 2 ) ( الفتح : 29 ) وقوله : " وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم " [ الأنفال : 7 ] . قال مكي : وأيضا فإن ظاهر اللفظ فيه وعد من الله تعالى لموسى ، وليس فيه وعد من موسى ، فوجب حمله على الواحد ، لظاهر النص أن الفعل مضاف إلى الله تعالى وحده ، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وأبي جعفر وشيبة وعيسى بن عمر ، وبه قرأ قتادة وابن أبي إسحاق . قال أبو حاتم : قراءة العامة عندنا " وعدنا " بغير ألف ، لان المواعدة أكثر ما تكون بين المخلوقين والمتكافئين ، كل واحد منهما يعد صاحبه . قال الجوهري : الميعاد : المواعدة والوقت والموضع . قال مكي : المواعدة أصلها من اثنين ، وقد تأتي المفاعلة من واحد في كلام العرب ، قالوا : طارقت النعل ، وداويت العليل ، وعاقبت اللص ، والفعل من واحد . فيكون لفظ المواعدة من الله خاصة لموسى كمعنى وعدنا ، فتكون القراءتان بمعنى واحد . والاختبار " واعدنا " بالألف لأنه بمعنى " وعدنا " في أحد معنييه ، ولأنه لابد لموسى من وعد أو قبول يقوم مقام الوعد فتصح المفاعلة . قال النحاس : وقراءة " واعدنا " بالألف أجود وأحسن ، وهي قراءة مجاهد والأعرج وابن كثير ونافع والأعمش وحمزة والكسائي ، وليس قوله عز وجل : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات " من هذا في شئ ، لآن " واعدنا موسى " إنما هو من باب الموافاة ، وليس هذا من الوعد والوعيد في شئ ، وإنما هو من قولك : موعدك يوم الجمعة ، وموعدك موضع كذا . والفصيح في هذا أن يقال : واعدته . قال أبو إسحاق الزجاج : " واعدنا " ها هنا بالألف جيد ، لان الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة ، فمن الله عز وجل وعد ، ومن موسى قبول واتباع يجري مجرى المواعدة . قال ابن عطية . ورجح أبو عبيدة " وعدنا " وليس بصحيح ، لان قبول موسى لوعد الله والتزامه وارتقابه يشبه المواعدة .
--> ( 1 ) راجع ج 9 ص 356 ( 2 ) راجع ج 12 ص 297